أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

49

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قلت : ونسبته كلام أعلام الأمة إلى العجمة وعدم معرفتهم بكلام العرب وحملهم كلام اللّه على ما لا يجوز ، وأنّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريج سهل واضح غير مقبولة ولا مسلّمة ، بل المتبادر إلى الذهن ما نقله الناس ، وتلك الاعتراضات بين أثناء كلمات الآية الكريمة موجود نظيرها في كلام العرب ، وكيف يجهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابهم ذلك ، وكيف يتبجّج باطّلاعه على ما لم يطّلع عليه مثل هؤلاء ، وكيف يظنّ بالزمخشري أنه لا يعرف مواقع النّظم وهو المسلّم له في علم المعاني والبيان والبديع ، ولا يشك أحد أنه لا بد لمن يتعرّض إلى علم التفسير أن يعرف جملة صالحة من هذه العلوم ، وانظر إلى ما حكى صاحب « الكشاف » في خطبته عن الجاحظ وما ذكره في حقّ الجاهل بهذه العلوم ، ولكن الشيخ ينكر ذلك ويدّعي أنه لا يحتاج إلى هذه العلوم البتة ، فمن ثمّ صدر ما ذكرته عنه . قوله : عِنْدَ اللَّهِ ظرف ، العامل فيه لفظ « الدِّينَ » لما تضمّنه من معنى الفعل . قال أبو البقاء : « ولا يكون حالا ، لأن « إِنَّ » لا تعمل في الحال » قلت : قد جوّزوا في « ليت » وفي « كأنّ » وفي « ها » أن تعمل في الحال . قالوا : لما تضمّنته هذه الأحرف من معنى التمني والتشبيه والتنبيه ، فإنّ للتأكيد فلتعمل في الحال أيضا ، فليست تتباعد عن « ها » التي للتنبيه ، بل هي أولى منها ، وذلك أنها عاملة و « ها » ليست بعاملة فهي أقرب لشبه الفعل من « ها » . قوله : بَغْياً فيه أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله ، العامل فيه « اخْتَلَفَ » والاستثناء مفرغ . والتقدير : وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره . والثاني : أنه مصدر في محلّ نصب على الحال من « الَّذِينَ » كأنه قيل : « ما اختلفوا إلّا في هذه الحال ، وليس بقوي ، والاستثناء مفرّغ أيضا . الثالث : أنه منصوب على المصدر والعامل فيه مقدّر كأنه لمّا قيل : « وَمَا اخْتَلَفَ » دلّ على معنى : « وما بغى » فهو مصدر مؤكّد ، وهذا قول الزجاج ، والأول قول الأخفش ، ورجّحه أبو علي ووقع بعد « إِلَّا » مستثنيان وهما : « مِنْ بَعْدِ » و « بَغْياً » وقد تقدّم تخريج ذلك وما ذكر الناس فيه . قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ « مِنْ » مبتدأ ، وفي خبره الأقوال الثلاثة ، أعني فعل الشرط وحده ، أو الجواب وحده ، أو كلاهما . وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بدّ من ضمير مقدّر أي : سريع الحساب ، وقد تقدّم تحقيق ذلك . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 20 إلى 22 ] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 ) وفتح الياء من « وَجْهِيَ » هنا وفي الأنعام نافع وابن عامر وحفص ، وسكّنها الباقون .